الرئيسية / مقالات / المنبر الحسيني و تجلياته

المنبر الحسيني و تجلياته

السيد فاضل آل درويش

المنبر المربي اصطلاح يدل على المحتوى الذي يقدم للجمهور ما يحمله من مفردات و مفاهيم و توجيهات تسلك بالفرد نحو صياغة شخصيته وفق القيم و المباديء التي دعا لها الإمام الحسين (ع) ، و هي – بالطبع – لا بعنوان شخصي له (ع) بل بما يمثله من تجسيد لقيم السماء و معاني القرآن الكريم و تعاليم جده المصطفى (ص) ، فالشخصية الإنسانية تتمثل بالجانب المعرفي و الثقافي و الروحي و الاجتماعي و النفسي ، و صياغتها تعني تزويدها بمجموعة من المعارف و السلوكيات المتعلقة بمختلف هذه الجوانب ، و لن نجد مدرسة تزدحم فيها الدروس المتنوعة في موسم يحظى بمكانة دينية كالمنبر الحسيني الواعي ، و الذي تقدم فيه مجموعة من المحاضرات القيمة المثرية للزاد الأخلاقي و المعرفي عند المستمعين ، و هذا ما يحفز الخطيب القدير إلى التحضير المسبق و البحث الموسع لتكوين خلاصات تلقى بأسلوب سلس ، يستطيع المستمع أن يفهمه إذا كان مناسبا لمختلف المستويات العقلية .
تلك المحاضرات بلا شك أنها تحمل ومضات معرفية و سلوكية تنعكس على محتلف جوانب شخصية النشء ، و تنمي مدركاتهم التفكيرية بتنشيط حالة التأمل و التدقيق و استنباط الخلاصات من أحوال الأمم الماضية و الأحداث النبوية و مواقف الأئمة (ع) و ما تحمله في طياتها من توجيهات و تنبيهات ، و كذلك ما يلقى من بحوث قرآنية تتناول تفسير الآيات الكريمة و ربطها بمجموعة من التوجيهات الأخلاقية و الاجتماعية التي تدور في فلكها ، و للروايات الشريف و كنوز الحكمة الواردة عن المعصومين (ع) جانب مهم في البحوث و المحاضرات ، و خصوصا إذا كان الخطيب يمتلك خلفية ثقافية واسعة و متنوعة يخاطب بها المستمعين المتلهفين و المتعطشين للمعارف في هذا الموسم .
و الظواهر السلبية المنافية للآداب و القيم الأخلاقية بالتأكيد لا يتم معالجتها و مدارستها من خلال المنبر المعطاء لوحده دون الرجوع للمختصين و المؤهلين في القضايا الأسرية و الزوجية و الاجتماعية ، و لكنها إشارة لمجموعة من النقاط المتعلقة بأهم المشكلات الأسرية و السلوكيات الاجتماعية و التي تنبه الآباء و الأمهات و المربين للاهتمام بالنشء و مساعدته على تجنب ما يلحق به العيب و النقص ، و الاهتمام بالحالة النفسية المستقرة و التجلبب بهدوء النفس و ضبطها في مواجهة التحديات و الصعب لا يعد ترفا فكريا و مضيعة للوقت كما يظن البعض ، بل تقع في لب التوجيهات التربوية للاحتفاظ برباطة الجأش و تحمل المسئولية للواقع مهما بلغ درجات التأزم و الضغوط الحياتية .
و الجانب الروحي و التعلق بخالق الكون و المدبر لشؤوننا و العالم بالخفيات و مجاهيل المستقبل بالنسبة لنا ، يعزز الثقة بالنفس و التمسك بحبل الأمل و التفاؤل بتغيير الواقع نحو الأفضل ، و في قصص البلاء الذي حل بالأنبياء و الأئمة و قصص العلماء و أصحاب الهمم العالية ما يرفع همة المرء و يقوي إرادته في مواجهة الصعاب و العراقيل ، و أين يجد المستمع شخصية يقتدي بها كالإمام الحسين (ع) و أهل بيته و أصحابه الكرام في مواجهتهم لظرف صعيب لا مثيل له ، حيث يواجهون تبعة مواقفهم البطولية بالتمسك بالحق و الوقوف في وجه الظلم و الفساد بكافة أشكاله ، و مع إدراكهم لما يمكن أن ينالهم من بطش و تنكيل جراء ذلك و لكنهم أبوا إلا مواجهة كل ما يواجههم من صعاب و شدائد في سبيل التمسك بالحق و أهله .
واقعة الطف تحمل الكثير من الدروس و العبر المتجلية في كلمات الإمام الحسين و حواراته و مواقفه و مواقف أهل بيته و أصحابه ، فقد تجلى فيها قيم الوفاء و الصدق و مكارم الأخلاق و الحصافة الفكرية و الشجاعة في الكلمة و الموقف ، و حري بنا و نحن نتطلع و نأمل ببناء شخصيات قوية لأبنائنا و الأجيال الناشئة أن نستلهم النهج الحسيني قيما و أهدافا لنعلمها لهم و ندربهم في مواقف عملية على تجسيدها و تطبيقها في حياتهم و بناء مستقبلهم و علاقاتهم و طريقة تعاملهم ، إذ مهما واجه المرء من ظروف قاسية و مشاكل – و هي سنة الحياة – فلن نجد قدوة نتأسى بها في الصبر و الثبات و العمل في ظل هدوء النفس بكل حكمة و وعي كما هي سيرة الإمام الحسين (ع) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open