الرئيسية / مقالات / يا ليتني كنت مع الإمام الحسين (ع)

يا ليتني كنت مع الإمام الحسين (ع)

السيد فاضل آل درويش

من جوانب التأمل و البحث و استخلاص النتائج و الدروس هو النظر في صفات و سيرة من وفقهم الله تعالى لنصرة الإمام الحسين (ع) و الوقوف معه في أحلك الظروف و أقساها ، فدفعوا ثمنا غاليا جراء الوقوف في وجه الظلم و هي أرواحهم الطاهرة ، فما الذي كان يميزهم عن غيرهم من أهل زمانهم حتى اختصوا بهذا المقام العالي و نيل وسام الشهادة ، إذ بلا شك أن لهم استعدادات و إمكانيات أهلتهم ليكونوا مناصرين لأهل الحق و الهدى .
و لتوضيح الفكرة أكثر ، نقول : الصورة الواضحة لبوادر الاصطفاف وصولا إلى الصراع بين الفريقين لم تكن واضحة عند جميع الناس بحيث يميزون بجلاء أن الإمام الحسين سليل النبوة و سيد شباب أهل الجنة يقف في وجهه من يختلفون معه تماما في الجهة الأخلاقية ، و من جهة أخرى فإن اتخاذ المواقف الحاسمة و تحمل الظروف القاسية ليست بمعية كل إنسان ، بل هي من صفات أصحاب الهمم العالية و الإرادات القوية ممن لهم قلوب كزبر الحديد ، فلا يمكن لأحد مخادعتهم بالترغيب بشيء من حطام الدنيا الزائل و لا بالأموال التي يسيل لها لعاب أصحاب النفوس الوضيعة ممن عرضوا ضمائرهم في مزاد النخاسين ، و لا ترهبهم آلة البطش و التنكيل و التخويف و التهديد بالموت ، كيف و هم ممن تشهد لهم سوح الوغى بأنهم تاجروا مع الله تعالى بأنفسهم و تطلعت بصيرتهم نحو المستقبل الأخروي ، أناس إرادتهم مندكة في الإرادة الإلهية قد أماتوا أهواءهم و هذبوا نفوسهم لتكون طواعية لله عز و جل و أوليائه .
و عندما نقرأ وصف الإمام المعصوم (ع) لهم بأنهم أوفى و خير أصحاب نعلم مدى ما وصلوا إليه من درجات الرقي و التكامل الروحي و الأخلاقي ، و هذه مواقفهم في واقعة الطف تؤكد على وفائهم و بسالتهم و قوة إيمانهم في مواجهة أعداء الحق و الفضيلة ، و عندما أحلهم الإمام الحسين من بيعته و نصرته ليلة العاشر و أذن لهم بالرحيل ، تبادروا لإبداء مواقف نصرة عظيمة و إصرارهم على المضي في طريق الجهاد و الشهادة دون أي تراجع أو تردد .
و هنا نصل إلى حلقة الوصل بين الأجيال المتلاحقة و هؤلاء العظماء ، فماذا لو كنا في عهد الإمام الحسين و سمعنا دعوته لنصرته و الجهاد بين يديه و الوقوف في وجه تلك الآلاف المؤلفة ؟
ندعو بشكل متكرر بهذا الدعاء : { يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا } ، و بلا شك أن الدعاء ليس بلقلقة لسان أو مجرد رفع الأكف نحو السماء ، و إنما هو عمل مثابر و أخذ بالأسباب المادية و بعد ذلك نطلب التوفيق و السداد و نجاح المطالب من الله تعالى ، و لذا فنؤكد على أن الإجابة حول السؤال عن نصرة الإمام الحسين (ع) من عدمه تصعب الإجابة عليه ، و لكن علينا البحث في حيثيات شخصياتنا و مكنوناتها الروحية و الأخلاقية و السلوكية و العملية ؛ لنرى مقاربتها من صفات أصحاب الإمام الحسين أم أنها لا تجري في ذات المجرى بل و تبعد عنها كثيرا !!
المواقف من عدم نصرة الإمام الحسين (ع) متعددة و سبل الضلال تختلف مجاريها ، فهناك من آثر السلامة فأخذ موقف التفرج و الجلوس على مقاعد الجمهور المترقب للموقف ، و هناك من كان لئيما فاتخذ الغدر و الخداع موقفا من نهضة الإمام الحسين (ع) ، فما الذي يضمن أو يؤشر – لا أقل – على كوني من أصحاب الإمام الحسين المجاهدين بين يديه ؟!
ينبغي النظر أولا إلى علاقتنا بزينة الدنيا و زخارفها و التعلق بها و تحويلها لآلهة نعبدها و تنشغل قلوبنا بها ، و نفضل مصالحنا الخاصة على كل شيء و إن خالف التعاليم الإلهية ، أم أننا نعظم الله تعالى حق عظمته و نفرغ قلوبنا مما سواه ، فإن كان كل همنا و مبتغانا رضا الله تعالى في كل أقوالنا و تصرفاتنا و ينعكس ذلك على واقعنا و علاقاتنا الأسرية و الاجتماعية فهو مؤشر يبشر بالخير ، فأصحاب الإمام الحسين في كل زمان لا يجورون على الغير و لا يتعدون على ممتلكاتهم و شخصياتهم ، و انظر إلى سيرة أولئك العظماء و هم يحيون ليلة العاشر العصيبة بذكر الله تعالى ، فمتى ما كنا مواظبين على عباداتنا و متوكلين على الله تعالى في كل أمورنا ، و تحافظ بناتنا على عفتهن و حجابهن من الذئاب البشرية و عف أبناؤنا عن نظرة الحرام ، توسمنا يومئذ أن نكون من أصحاب الإمام الحسين (ع) الأوفياء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open