الرئيسية / مقالات / عظمة و خلود

عظمة و خلود

السيد فاضل آل درويش

واقعة الطف مدرسة و منهج فكري و تربوي يستوعب كل العقول و النفوس ليستلهموا الدروس و العبر ، و من يتأمل هذه الواقعة بعين الإنصاف يستطيع أن يتوصل إلى نتيجة مهمة ، مفادها أنها منعطف و محطة ما بعدها ليس كما قبلها في الكشف عن الواقع و مكنونات النفوس و الدوافع البشرية لاتخاذ المواقف و الدروب ، فالصراع هناك كان بين إرادة و منطق البطش و القوة و التسلط و الاستبداد و فرض المآرب بالإجبار و القهر ، بينما هناك فريق يحمل القيم و البصيرة و مبدأ الحوار في إيضاح الموقف و الأفكار ، و المواقف الصلبة التي لا تلين بترغيب أو ترهيب ليست بوليدة الساعة ، و إنما هي بناء مستمر وفق منهج إيماني و احتذاء بأولياء الله الصالحين الذين خبرتهم سوح الاختلافات و طرح الشبهات و المواجهة مهما كان حجم و قدرات الطرف المقابل و لغته التهديدية .
فعلى المستوى البشري نجد شخصيات لا تبرح الذاكرة لشعب معين و مرد ذلك هي مواقف و كلمات تصدر من حكيم و شخصية متزنة ، و ما امتازت و لا برز ذكر تلك الشخصيات من فراغ أو من وجود أناس تملؤهم العاطفة العمياء بل من واقع فرضوا فيه وجودهم المتألق ، فلو كنا نجد المنصفين المثقفين على مستوى البشرية ممن تصلهم واقعة الطف فيصبون عليها عناصر التحليل و الاستنتاج ، لتلقينا الكم الكثير من المقالات التي تدور حول شخصيات أصحاب الإمام الحسين (ع) و سيرتهم و مواقفهم ، بما يتعلق بالتأمل فيها و تحليلها وصولا إلى الكشف عن المقومات و الصفات و المؤهلات التي أوصلتهم لمنصة النصرة الحسينية و الفوز بوسام الشهادة .
و في المقابل فإن جيش الأعداء و البواعث التي دعتهم لارتكاب جريمة منكرة لا نظير لها بحق سبط النبي (ص) و أهل بيته (ع) و ممارسة قبائح ما أقدم عليها حتى أهل الجاهلية في حروبهم ، فأي مدرسة و أي فكر شيطاني قاد هؤلاء نحو هذا المخطط الإجرامي و الذي انتهكت فيه حرمة الإسلام و مورست باتجاه أهل البيت أفظع الجرائم و أقساها بنحو غير مسبوق ، و كما عبر الإمام الحسين عن أعدائه بأنهم ( عسلان الفلوات ) أي ذئاب بشرية تحركها غريزة الافتراس و الانقضاض و طلب المصالح دون مراعاة أي قيم و إن أدى ذلك إلى سفك الدماء ، و لا غرو إن عبرنا عن يوم عاشوراء بأنه صفحة سوداء قي تاريخ البشرية لما سجل فيه من جرائم منكرة في حق العترة الطاهرة ، حيث تجسدت الوحشية بما لم يخطر على بال أحد مهما كانت مديات أي صراع أو خلاف ، فأي دين أو ملة تشرعن ما قامت به تلك الوحوش من فعال مخزية يندى لها الجبين !!
فمن كان وصوليا و لا يرعى الله تعالى في تصرفاته و مواقفه ، و يتحكم فيه مصالحه و أهواؤه بدلا من عقله فهو بلا شك لا يمكنه أن ينتمي لمعسكر السبط الشهيد ، إذ كانت الرحمة و التسامح و المحبة تغمر قلب الإمام الحسين (ع) و من معه و تمثل قيما و ثقافة يحملونها و يتعاملون بها ، و مهما اشتدت المواقف و قست الظروف فإن هؤلاء الكرام يحتفظون بهدوئهم النفسي و يحكمهم روح التدين الساكنة بين جوانبهم و يلتزمون التفكير الواعي ببصيرة تنظر في عواقب الخطى ، و لذا فإن نبلهم و مروءتهم كانت عاملا مشتركا بينهم قد أماتوا أهواءهم فلا يصدر عنهم تهور في أي تصرف ، و مع مواجهتهم لأهل الغدر و الفجور و ما حملوه من صفات الرذيلة و القبح ، فإن أصحاب الإمام الحسين (ع) ما نزعوا لباس التقوى و هذا من المفاخر و العظمة التي تستحق الإشارة و الإشادة ، و التي تكشف عن معادنهم و حقيقة التزامهم بالدين الحنيف في سلوكياتهم ،
و الخلاصة التي نستنتجها من هذا الصراع المفصلي الدائر بين من رفعوا راية الحق و الفضيلة و الدعوة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية و احترام النفس البشرية بعيدا عن الاستبداد و القهر ، و بين جيش جمعتهم شهوة السلطة و المراكز المتقدمة التي تشفي نفوسهم المريضة و جشعهم و تأليه الذات ، و آخرون قد زاغت عيونهم لبريق الدينار فوقعوا في أسره فيطلبونه بأي وسيلة و لو أدى لتمزيق القيم الدينية و الإنسانية ، و آخرون قد أعمت قلوبهم السوداء مشاعر الكراهية و الحقد المستحكم ، فهنيئا لمن سار على نهج العظماء الذين تشهد لهم ذرات تراب كربلاء بأنه في ذلك المكان المقدس قد وجد من لا تهزه الدنيا بإغرائها و لا تخويفه بأمواجها العاتية ، ثبتوا على الحق و صمدوا في وجه الباطل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open