الرئيسية / مقالات / رقيب وعتيد!

رقيب وعتيد!

هلال الوحيد

{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، رقيب وعتيد اسمان لمَلكين يكتبان ما يلفظ اللسان من الخير والشرّ. أنتَ تكتب، تغرد، تنشر، تحاضر، عن يمينك رقيب وعن شمالك عتيد!

في هذه الآونة ظهرت فكرة تفاعل القراء مع الكاتب، بأنماطٍ جديدة، لم توجد من قبل. قديمًا، يكتب الكاتب موضوعًا ما، يراجع ما كتب، تراجعه مجموعته الخلص، ثمّ يتلقاه الجمهور الذين منهم من يردّ إما بخطاب أو بكتابٍ مثله، قلة من يردون في كل الأحوال!

الآن، ينشر الكاتب مقولة أو خاطرة في وسيلة من وسائل التواصل، بعد دقائق يعرف أعداد القراء، كم أحبها؟ كم أثارته؟ كم وضع شارة إعجاب؟ كم علقّ بجملةٍ أو أكثر؟ الكاتب “الخفيف” يستنهض الجزء الحسَّاس – العاطفة – من القراء، بدءًا بالعنوان، ثم المحتوى، فحسنًا لو استثارَ العنوانُ شريحةً كبيرة من القراء ودفعهم نحو التفاعل، لأن أكثر القراء في هذه الآونة لا يتعمقون في قراءة النص إلا إذا لاقى استحسانًا كبيرًا منهم! التفاعل الآني، يؤثر في نفس الكاتِب سلبًا أو أيجابًا، وإن بدرجاتٍ متفاوتة، لا ينجو منه إلا مثل همل النعم! يضخم شخصيته بعدد شاراتِ الإعجاب، أو يقلل من شخصيته عندما تقل.

التشويق مسموح ومطلوب من أجل جذب القارئ نحو الفكرة، ومنافسة ما يطرح في المواقع ووسائل التواصل الاجتماعيّ، وغيرها من طرق النشر وهو كثير. إلا أن -الإثارة- تولد اهتزازات غير حميدة، دون الاستفاضة في أنواع تلك الاهتزازات، ومنها حشو فكر القارئ بمادة شهيَّة ولذيذة، ولكنها خالصة من القيمة الغذائية الجيدة والسعرات الحرارية -الفكرية- التي تنمي المعرفة والثقافة.

تكتب، تغرد، تنشر، تحاضر، أينما كنت، فعّل المراقبة الذاتية الأخلاقية التي تكمن في نفسك وعقلك “اجعل من نفسكَ على نفسكَ رقيبا واجعل لآخرتكَ من دنياكَ نصيبَا”. قيّم المادة قبل عرضها كما لو كنت تبيع سلعةً تجارية، بل أدق! لاحظوا، أن التاجر لا يشتري سلعة إلا بعد فحصها وتقليبها مرات، يحسب الربح والخسارة المفترض أن يجنيه، كيف إذن لا يقيم الكاتب ما يبيعه للناس؟! وهو يشكل ضررًا أكثر وخسارة أكبر من أي سلعة تجارية؟!

استحثّ العقل والوجدان بدلًا من استثارة الغرائز البهيمية! توعية القراء والمتابعين بدلًا من استغبَائهم واستمالتهم! عن الإمام علي عليه السلام: اعلموا عبادَ الله أن عليكم رصدًا من أنفسكم، وعيونًا من جوارحكم، وحفّاظ صدق يحفظون أعمالكم، وعدد أنفاسكم، لا تستركم منهم ظلمة ليل داج، ولا يكنّكم منهم باب ذو رتاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open