الرئيسية / مقالات / الحسين (ع) مصباح الهدى و سفينة النجاة

الحسين (ع) مصباح الهدى و سفينة النجاة

السيد فاضل آل درويش

السيرة العطرة للإمام الحسين (ع) تحمل الكثير من الدروس و العبر و المضامين العالية التي ينبغي التأمل فيها و تحويلها إلى سلوكيات على أرض الواقع لحياتنا و تعاملنا و أفعالنا ، فهي سيرة تجسدت فيها مكارم الأخلاق بكل مفاهيمها المتألقة ، و تأخذ بالنفس البشرية نحو التكامل و الرقي و تطهر النفس من الرذائل و العيوب ، كما أن العقل الواعي الدارس للمباديء و الأهداف الحسينية تكسبه نضجا و رشدا في فهم الأحداث و الحاضر و بناء المستقبل ، فالنهج الحسيني لا يعني مجرد الادعاء بحب الإمام الحسين و حمل مشاعر الولاء له ، بل هي مقدمة للسير على نهجه و العمل بما دعى إليه من تقوى الله تعالى و العمل بما أمر و الحفاظ على النفس من التلوث بالشهوات و الانغماس فيها ، فالوقت الثمين لا يتعامل معه بالتهاون و التضييع و الميل إلى حياة الدعة ، فهل وجدنا في حياة هذا الإمام العظيم إلا العطاء في محراب العبادة ، و تربية الأجيال بما يخرج من لسانه الشريف من درر الكلمات و كنوز الحكمة ، و صنع المعروف و الإحسان إلى الناس و بلسمة آلامهم و تخفيف وطأة الزمن و الفقر الثقيلة ؟!
فعلى مستوى العلاقة بالله عز وجل و الانقطاع إليه في محراب العبادة كان الإمام الحسين مثالا يحتذى به ، فلم تكن الدنيا – بما تضمه من زخارف تزيغ لها العيون – بشيء عنده إلا بمقدار ما يخدم هدفه الأسمى و هو التقرب من المولى الجليل ، فكل ذلك العطاء بنحو السخاء و الجود يدل على فراغ قلبه الشريف من حب الدنيا ، كما أن الأوقات العصيبة التي تنهار فيه القوى و يتزعزع كيان الإنسان و يذهل فيها عن عمل أي شيء أو التفكير في الخروج من المأزق الواقع فيه ، كان الإمام الحسين (ع) في كل أحواله متعلقا بالتدبير الإلهي و الوثوق بتقديره عز و جل ، فما من ليلة و يوم في حياته (ع) أصعب من ليلة و يوم العاشر و قد دنت منه المنية و مع ذلك كان منشغلا بذكر الله تعالى ، و كما ينقل الرواة بأنه في ليلة العاشر بات مع أصحابه في محراب العبادة و لهم دوي كدوي النحل بسبب اختلاف و تداخل أصواتهم ، فأيننا من هذا المشهد العظيم لمن يعلم يقينا بأنه على بعد ساعات من الشهادة و مع ذلك يبقى على هذا الهدوء النفسي و الروحي و التوجه التام نحو الخالق العظيم ، فالحسين (ع) منهج تربوي في مواجهة الصعوبات و التحديات و الأزمات بكل اقتدار و إرادة و صبر دون تسلل فيروس الانهزام و الإحباط إلينا .
و من تلك الصفات الرائعة في هذا الإمام العظيم هي الشجاعة في الموقف و مواجهة الأعادي دون أن يرهبه كثرة عددهم و عدتهم ، فالانتصار العسكري لم يدر بخلده بل هو على يقين من الشهادة و مع ذلك برز لهم و قد هزمهم الرهبة منه قبل مبارزته ، مع كل تلك الظروف الصعبة التي يعاني منها كالعطش و حرارة الشمس و فقدان الأحبة ، و لقد واجه بصبره و تحمله كل أشكال الآلام و المتاعب ليتحول إلى رمز عظيم في فهم سر الابتلاء الإلهي و كيفية مواجهته بعيدا عن الهواجس و ندب الحظوظ .
الاقتداء بالنهج التربوي و الفكري للإمام الحسين (ع) يبدأ من المعرفة بشخصيته و أبعادها و مطالعة ما احتوته تلك السيرة من مواقف نبيلة يحتذى بها ، فمن غير المعقول أن نبعد أنفسنا عن تلك السفينة التي تلتقط الطالبين لإصلاح النفس و النجاة من نيران الذنوب .
تلك الأخلاق الحسينية الرفيعة و طريقة التعامل الحسن مع مختلف التوجهات و التجمعات البشرية تعد منارا و مهتدى في علاقاتنا بالآخرين ، إذ أن الكراهيات و تجاهل وجود الغير بسبب الاختلاف الفكري غير صحيح و يقود إلى التناحر و خراب المجتمع ، و المبدأ الوحيد الذي يمكننا من خلاله الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي هو التسامح و تجاوز الخلافات بالحوارات الهادئة و التعايش مع الغير و احترام معتقداته ، فالحسين (ع) مصباح الهدى و تنوير الفكر و الدعوة إلى تبادل الآراء و الاستماع للآخر ، و عرض ما تؤمن به بدون اللجوء إلى إرهاب فكري ، فالمعتقدات الحقة تقوم على أساس البرهان و عرض الاستدلال الذي ينور البصيرة و يظهر الحقائق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open