الرئيسية / مقالات / وما كانت أمّكِ بغيًّا!

وما كانت أمّكِ بغيًّا!

هلال الوحيد

أجدُ نفسي مدفوعًا وأنا أمشي عجلًا في العقدِ السابع من عمري أن أشكر اللهَ على أنني عشتُ ردحًا من ذلك العمر في زمنِ التخلف، الذي لم توجد فيه آلاتُ تصوير وتسجيل، لا في يدي ولا في يد أحدٍ غيري. لم يخلق بعد شيء اسمه “نت”، لا “شبكة عنكبوتية”، لا “واي فاي” ولا مواقع محلية، أو غير محلية، تنشر مآسينا. كانت “الواي فاي” والمواقع عبارة عن أفواه الجيران، تعلك الحكايا والخطايا يومًا أو يومين ثم تموت السيئاتُ في الذاكرة الجمعيَّة وينساها الناس! النَّاس تستر على بعضها!

أبناؤنا وبناتنا في هذه الآونة ينكسرون تحت ضغوط الحياة وفي أيديهم آلات تسجيل وتصوير؛ يقولون أشياءً لا يدركونها ويصورون أنفسهم في أوضاعٍ يأتي يوم يستغفرون الله منها! لا نقطع عليهم خطّ العودة ونفضحهم لأنهم قالوا أو عملوا وهم في حالةٍ نفسية لا يعلمها إلا الله!

أعينوهم على أنفسهم بالستر وعدم النشر! سوف تجدون الفَ عذرٍ لفضحهم وأنتم على حقّ؛ هم نشروا، هم قالوا، هم صوروا أنفسهم! يأتي يومٌ يعودون فيه إلى عقولهم ويصحّ فيهم قولُ رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما والله، لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجلِ براحلته!

في اللحظة التي يرسل واحدٌ -أو واحدةٌ- صوتًا أو صورةً لنفسه، الله وحده العالم بما يدور حقًّا في طاسةِ رأسه من جنونٍ وعقل! علينا أن لا نرشقَهم بأحجارٍ. وقبل ذلك علينا أن ننزلَ من أعالينَا -آباء وأمهات وأزواج- ونعرف ماذا يدور في عقولهم الناشئة؟ في ماذا يفكرون؟ إلى أين هم ذاهبون؟

لا تستغرب أيها القارئ الكريم ما قد يحصل: ابنٌ لآدَم قتلَ أخاه! ابنٌ لنوحٍ لم يركب معه في السفينة! أبناء صلحاء تاهوا في دهاليزِ الحياة. أنا وأنت نحمد الله ونتذكر حكمتين قديمتين “اذا شفتها في جارك احسبها في ديارك” و “إذا غابت عينك عن حلالك فقل على الحلالِ السلام”.

أثنَى الإمامُ عليّ (عليه السلام) على اللهِ ثناءً رائعًا للغاية وشكره في أحدِ أدعيته: اللّهمَّ مولايَ كم من قبيحٍ سترته! وعنه (صلى الله عليه وآله): كان بالمدينةِ أقوام لهم عيوب فسكتوا عن عيوبِ الناس، فأسكتَ الله عن عيوبهم الناس، فماتوا ولا عيوبَ لهم عند الناس، وكان بالمدينة أقوامٌ لا عيوب لهم فتكلموا في عيوبِ الناس، فأظهر الله لهم عيوبًا لم يزالوا يعرفون بها إلى أن ماتوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open