الرئيسية / مقالات / حب الله تعالى و تأثيره في الصحيفة السجادية

حب الله تعالى و تأثيره في الصحيفة السجادية

السيد فاضل آل درويش

ورد في الصحيفة السجادية : إلـهي مَنْ ذَا الذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلًا ، و من ذَا الذي أنـِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلًا…)( مناجاة المحبين ) .
ما تحمله تلك الأدعية و المناجاة في زبور آل محمد (ص) و المسماة بالصحيفة السجادية ، هي مجمع مضامين عالية تحمل فكرا عقائديا و توجيهات أخلاقية و تربوية تصنع شخصية الإنسان ، بما يتناسب مع المهمة الرسالية له و هي خلافة الله تعالى في أرضه .
يبين لنا الإمام السجاد (ع) في درة من درره الثمينة مفهوم حب الله تعالى و الآثار المترتبة عليه ، فالحب بالمعنى اللغوي و هو ميل القلب إنما هو المرحلة الأولى و الدرجة الدنيا للحب الحقيقي ، و منها تبدأ رحلة السالكين نحو المراحل المتقدمة منه و ما يتطلبه من استحقاقات روحية و سلوكية ، فإن المتفرد و المستحق لحب العباد هو من أنعم عليهم بنعمة الوجود و تدبير شئونهم و اللطيف بأحوالهم ، و عندما ينطلق المرء من هذه النقطة ناظرا إلى الكون و ما فيه مما يدل على عظمة و حكمة و اقتدار الخالق ، يزداد إدراكا و فهما للدور الوظيفي المناط به في هذه الحياة الدنيوية بما ينال به رضا المعبود و تجنب مواطن سخطه ، و ومضة الوعي هذه تتطلع إلى كل المخلوقات من حوله فيراها تعيش دورتها و حركتها الجوهرية لتصل إلى مرحلة الضعف و الإنهاك و من ثم الأفول و التلاشي ؛ لتتكون عنده فكرة ناضجة و رشيدة بأن نعيم الدنيا حطام زائل كالبذرة ، فبينا تراها تترعرع و تكبر و تورق و تورد حتى تصل إلى مرحلة الاصفرار و اليبوسة ، و هكذا بالنسبة لدورة الحياة للإنسان فمتى ما استكملت حلقاتها و مراحلها و جاء الأمر الإلهي ليأذن له بالرحيل عن زينة و زخارف العالم الذي يفتن ضعفاء العقول و ممن يتبعون شهواتهم كالأعمى ، بينما المحب لله عز و جل و العارف بقدره و المتيقن من قدرته و وجوده معه في كل آن و مكان ، يتحرك وفق قاعدة الحذر من الأفعال العبثية المنافية لكمال عقله و يتجنب العيوب و القبائح المسقطة له من عيون أبصر الناظرين عز و جل .
و إن عين الجهل و مطبق الغفلة أن تكون بوصلة القلب و مهوى الفؤاد متعلقا بشيء من نعيم الدنيا من مال و عقار يحسب أنه قد أسبغ عليه الخلد فلا يرحل عنه أبدا ، و المحب الحقيقي لله عز و جل و العارف بآياته المبثوثة في الكون و المذكرة به تعالى لا يمكنه أن يفضل و يؤثر لحظات سخطه و حلول غضبه في ساعة نزوة ؛ لتعقبها الندامة على ما فعله من مخالفة ، فالعاقل يفعل ما يتناسب و كرامته الحقيقية المتمثلة بنزاهة النفس و طهارتها من دنس المعايب و مستنقع الخطايا ، كما أن عواقب هذا التجرؤ على حرم الله تعالى يقابله ما هو أعظم من هذه الخسائر في الدنيا ، إذ يكون عرضة للعقوبة المتناسبة مع غضب جبار الجبابرة ، و هذه المرتبة من العبادة ( عبادة العبيد ) لا تتناسب مع مرتبة الحب الحقيقي الصادر من عقل واع و قلب يستشعر وجود الله تعالى في كل شيء و نعمه المتوالية عليه مع كل نفس يتنفسه .
يقول الإمام السجاد (ع) أن محبة الله تعالى لها حلاوة نفسية تتمثل بالطمأنينة أمام صروف الزمان و قبضة الأيام المؤلمة ، و ثقة بالخالق فيما يقدره سبحانه له فالمؤمن كله يقين بأن ما يقابله من سراء أو ضراء يصب في مجرى مصلحته .
و ذلك التأثر الحقيقي في لحظات الذكر و قراءة الأدعية الواردة عن محمد (ص) و أهل بيته (ع) حيث يستحضر المحب ما فيها من مضامين عالية يحلق بها في عالم الروحانيات بعيدا عن ضنك الحياة و آلام فوات شيء من حظوظها ، يحيا مع تلك المعاني الجميلة التي يفصل فيها الإمام السجاد (ع) معالم العلاقة مع الخالق العظيم و أبعادها ، و يحذر مما يضعف تلك العلاقة و يبعد العبد عن مظلة الرحمة الإلهية الواسعة ، فمتى ما تآزر الوجدان الإنساني مع محطات الدعاء ازداد مرتبة في معرفة الله تعالى و التمسك بخيط الخشية منه تعالى ، و أما عنوان ذلك الحب فهي تلك الدمعة المنسكبة من مآقي العيون ندما على ما فرط في ساعات ضعفت فيه مناعته الروحية و رقابته على جوارحه ، فاستجاب غافلا لصوت الشيطان و تسويلات النفس الأمارة بالسوء ، فيعقد العزم على الرجوع إلى الله عز و جل مستغفرا منيبا ، إذ الدعاء محطة روحية يجدد فيها العبد حبل الوصال مع محبوبه .
و الأنس بذكر الله تعالى من ثمار و نتاج تلك المحبة ، فقلبه يهيم بتلك اللحظات التي يجلس فيها بين يدي مائدة المناجاة لينقض عنه شوائب الغفلة و التقصير و الخطايا ، كما أنه يترقى بين درجات الكمال و اكتساب الفضائل و تقوية جبهة المناعة عنده تجاه جنود الشيطان الرجيم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open