الرئيسية / مقالات / أنا عالمُ دين وطبيب ومهندس ونجَّار ما طلعت الشمسُ على مثلي!

أنا عالمُ دين وطبيب ومهندس ونجَّار ما طلعت الشمسُ على مثلي!

هلال الوحيد

فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً ** حَفِظتَ شَيئًا وَغابَت عَنكَ أَشياءُ

ما وجدتُ أصدق من مقولة الإمام عليّ (عليه السلام): قول “لا أعلم” نصف العلم!

في هذه الآونة، ماعت وسالت حدودُ إدعاء الاختصاص، كلنا أطبَّاء، أدباء، علماء دين، نفهم في الهندسة والحدادة والنجارة، وقل ما شئت من إدعاء تخصص يتهاوى تحتَ الفحص والتدقيق!

هوّن عليك سيدي وسيدتي – وأنا معكم – إذا كان صاحب المهنة البسيطة، يقضي شطرًا كبيرًا من عمره يتعلمها ويجهد أن يتقن فنونها، فما رأيكم بمن عليه حمل استنباط حكم شرعيّ من أدلةٍ متفرقة، فيها غموض، يلزمه قراءة ما لا يحصى من الكتب وسهر أيامٍ وليال لكي يتوصل إلى حقيقةٍ واحدة؟ أو الطبيب الذي يصف دواءً ويحسب غير المختص أن ذلك سهلًا! بينما هو أفنى جلّ عمره يدرس ويمارس المهنة، يشخص الأعراض والأمراض ومخاطر الأدوية في المختبرات وعلى البشر، وغير ذلك من مستلزمات المهنة؟!

تخيلوا معي تلك الأنماط الكثيرة من المهن التي لا تحتاج إلا إلى أدواتٍ بسيطة؛ حداد – نار، نجار – مطرقة، راع – عصا! هل يستطيع كل أحد أن يكون بارعًا ويتقن استخدام أدواتها وفنونها دون جهدٍ يتناسب مع صعوبتها؟ حبذا لو عرفنا قليلًا عن مهنة وأدوات الحداد والنجار والراعي دون إدعاء الاختصاص وقول: نعرف ما يعرفه أصحاب تلك المهن!

“رحم الله امرأً عرف قدر نفسه”! الرقيّ في التواضع أن نعرف حدود معرفتنا، ولا نعتدي على اختصاص غيرنا. لا يمنعنا هذا التواضع من كسب وتعلم أنواع المعارف، لكنه يقيدنا فلا نخوض فيما لا نعلم، ولا نتحمل مسؤوليةً لسنا لها أكفاء! بلى طلعت الشمسُ ولم تغرب عن علماء كان التواضع ديدنهم، لم يدعوا معرفةَ ما جهلوا! وغربت الشمسُ على مدّعين غرقوا في شبرِ ماءٍ من العلم.

من نصائح النبي محمد ( صلى الله عليه وآله): العالمُ من عرفَ قدره، وكفى بالمرءِ جهلًا أن لا يعرف قدره! وهذا القرآن يقصّ علينا من سيرة نبيّ عظيم – موسى – (عليه السلام) إذ يطلب من الخضر باستفهامٍ وبأدبٍ كبير :{قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}!

استفاد المفسرون من عبارة “رشدا” أن العلم ليس هدفًا في حدّ ذاته، بل هو وسيلة للعثور على طريق الخير والهداية والصلاح، وأن هذا العلم يجب أن يُتعلم، وأن يُفتخر به. وكان جواب الخضر: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًا}؟ ما يعني أن الخضر كان يحيط بأبوابٍ من العلوم التي تخصّ أسرارَ وبواطن الأحداث، في حين أن موسى (عليه السلام) لم يكن مأمورًا بمعرفتها، وبالتالي لم يكن يعرف عنها الكثير!

نصف العلم في قول لا أعلم، فهل يكون النصف الثاني في الصبر على التعلم؟! كان موسى في تلك الآونة تلميذًا عند الخضر، يعترض ويناقش وفي نهاية النقاش – خوفًا من حرمان العلم – يقدم تعهدًا بالصبرِ والطاعَة وعدم العصيان في جميع الحوادث {قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا}.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open