الرئيسية / مقالات / معالم العظمة من شخصية الإمام المجتبى (ع) (١)

معالم العظمة من شخصية الإمام المجتبى (ع) (١)

السيد فاضل آل درويش

و ما عسانا أن نسطر من كلمات في حق عصارة الدوحة المحمدية و الامتداد لمدرسة الكمال و الرقي الروحي و الأخلاقي و الاجتماعي ، إذ أن سيرته (ع) تجسيد عملي لتعاليم و قيم الدين الحنيف و منهج عملي لخلافة الإنسان على الأرض ، و المهم في تأملاتنا في هذه الشخصية العظيمة هي معرفة معالمها و أبعادها ، و من ثم البحث عن سبل و طرق السير على خطاها و تنفيذ الوصايا و التعاليم التي تأخذ بعقولنا باتجاه الوعي و الرشد ، و الرقي بسلوكياتنا عن مستنقعات الرذيلة و العيوب تحصيلا لحالة الطهارة و السمو ، و إلا فإن الإمام المجتبى (ع) غني عن التعريف بمقامه و صفاته الغراء .
الجانب الأول الذي نلقي عليه الضوء هو جانب العلاقة التي نسجها الإمام مع خالقه في محراب الطاعة و العبادة ، إذ يحمل وقوفه بين يدي الله تعالى – و قد ارتعدت فرائصه و علته الخشية منه سبحانه – كل معاني الأدب و المعرفة بمقام العظمة ، و تعريف بتلك المضامين العالية التي ضمتها العبادات في صنع شخصية الإنسان ، إذ أن الهدف الأسمى من الصلاة و الصوم و الحج و بقية العبادات هو التقوى و تجنب ارتكاب شيء من محارم الله تعالى ، بحيث تغدو و تتحول العبادات إلى طاقة روحية تكسب الإنسان يقظة و منعة تجاه تزيين النزوات و الخطايا ، إذ يمتلك وعيا بمخاطر المعاصي و ما تجره على صاحبها من ويلات و نقمات تحيق به فيقف بكل صلابة و اقتدار أمامها ، و هذه الإرادة القوية في ساحة المواجهة مع السيئات تعني انتصارا على شهوات النفس الأمارة بالسوء و حصانة في ميدان الابتلاء و الاختبار الذي لا تخلو منه أي ساعة من ساعات الأعمار ، فهل يمكننا التمسك بخيط الحصانة و اليقظة الروحية و نسلك باتجاه التكامل في الوعي و السلوك ، و نجعل من محطات العبادة المنبع العذب و الدفاق لتنبهنا بمخاطر الالتفات و الاستماع للصوت الشيطاني الداعي للمعصية .
لننظر إلى ما وصل إلينا من وصف دقيق للحالة الإيمانية التي تعتري الإمام المجتبى (ع) مع قرب ساعة الأذان و الإعلان عن الاستعداد و التهيؤ للوقوف بين يدي الجبار ، فقد أشارت الروايات الشريفة التي تتحدث عن حالة الإمام (ع) في الصلاة و قد انفصل تماما عن عالم الدنيا و حلقت نفسه الطاهرة في عالم الملكوت و العظمة ، قد أفرغ قلبه الشريف و مخيلته من كل صور الدنيا و متاعها و التي تشغل عن التوجه الحقيقي لله عز و جل و صارفة له عن التزود من مكتسبات و معاني الصلاة ، قد هامت نفسه و وجدت ما يطفيء لهيب الشوق و يضفي عليها السكينة و الحكمة مع كل محطة و وقت من أوقات الصلاة ، فكيف لنا أن نصل إلى هذه الدرجة من الإدراك بحقيقة الصلاة و أنها ليست بطقوس تؤدى مجردة من التفاعل العقلي و الوجداني معها ، و أن الصوم لا يعني الإمساك عن الطعام و الشراب لوحدها ، مع إطلاق العنان للجوارح لتفعل ما تشاء و تبقى طامحة حتى تجره نحو صوت الشيطان و توقعه في حفر السيئات ، و إنما العبادة وسيلة لغاية كبرى و هي التدرج في درجات الورع عن محارم الله تعالى و الخشية منه ، و التقرب إليه بما يصنع منا شخصيات إيمانية قوية و عصية على تسويلات النفس و حذرة في الدنيا من الاستجابة للآثام .
هذه الصورة الملكوتية لعبادة الإمام الحسن (ع) هي الحقيقة التي يبحث عنها المؤمن و يسعى لتحصيلها ، و يرغب في التعرف على الآليات و الشرائط التي تنقله من صورة العبادة إلى كنهها و مضمونها ، و الآلية المهمة هي حضور القلب أثناء العبادة فيستشعر بأنه في محضر الله تعالى و هو سبحانه يبصر كل أحواله ، و من أهم العوامل التي تحرمنا من حضور القلب هو استحضارنا لصورنا اليومية و اهتماماتنا الدنيوية و مشاغلنا إلى ساحة العبادة ، فتكون تلك العبادة هيكلة و هيئة بلا روح و لا مضمون بل هي صورة صلاة أو صوم ، و هنا ينبغي التأكيد على أهمية الاستعداد النفسي قبل البدء في أي عبادة ، حيث يتصور المرء هذا المقام الذي منحه الباري له بالوقوف في محراب الطاعة و لم يشغله شيء من حطام الدنيا ، و أما حضور الموقف في يوم القيامة و تطاير الكتب و الاصطفاف للحساب و نصب موازين الأعمال ، فهو بوابة التهيؤ و الحرص على المحافظة على العبادة من أي سرقة ، فالشيطان الرجيم يسعى سعيا حثيثا لتخريب علاقتنا بالله تعالى و حرماننا من الرجوع و الإنابة إليه تعالى ، و حري بنا أن نجعل من السيرة العبادية للإمام المجتبى مثالا يحتذى به في تقوية علاقتنا بالله تعالى و تصحيح مسارها ، نسعى لعبادة تحقق مضمون النهي عن ارتكاب المنكرات و المحارم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open