الرئيسية / مقالات / غياب الرشد و القيم الأخلاقية قي يوم الطفوف

غياب الرشد و القيم الأخلاقية قي يوم الطفوف

السيد فاضل آل درويش

من أهم الدروس المستوحاة من عاشوراء هو تقييم الذات و ما تحمله من نقاط القوة و الضعف و المكتسبات المعينة على تحقيق الوجود بأعلى درجات الرفعة و التألق ، إذ أن تلك الواقعة كشفت من خلال المواقف و الاصطفافات و الانحيازات كنه الشخصيات و ما يسكن بين جوانبها من صفات أخلاقية راقية أو دنيئة ، فما اتخذه كل واحد من الطرفين لم يكن وليد اللحظة و لا تفاعلا آنيا مع الحدث ، و إنما هي إرادات متصارعة و نفوس تحمل بين جنباتها حقيقتها فكان فعل كل واحد كاشفا عن حقيقة جمالية أو قبيحة لعلها تكون متدارية ، و لكن سنة الابتلاء الإلهي تمر بنا و تصادفنا في كل منعطف من منعطفات الحياة لتبين و تميز بين الشخصيات وفق مبادئها و أفكارها .
فالحرب الطاحنة التي وقعت في الطف تعبر عما يحمله كل فرد و فريق من أهداف يعمل على تحقيقها ، فأصحاب عمر بن سعد تنوعت الغايات المحركة لهم للمشاركة و المؤازرة على قتال السبط الشهيد (ع) ، فهناك من حركته نوازع نفسه المتعلقة بحب الرئاسة و نيل تلك الأبهة المتعلقة بها و الشعور بشيء من العظمة الكاذبة ، فابن سعد – مثلا – لم يكن الدافع له لتقدم الصفوف المال بل هو حب الجاه و الرئاسة ( حكم منطقة الري ) ، و التي من أجلها يفعل كل شيء و يخترق نظام القيم الدينية و الإنسانية ، و هذا ما رأيناه جليا في تلك الجرائم الفظيعة المرتكبة في معركة الطف و ما بعدها ، بما لم يكن معروفا و لا معهودا بين المسلمين الوصول إلى هذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي .
و هناك من كان الباعث له على مواجهة و قتال السبط الشهيد هو حب المال المزروع في قلبه مهما كانت المهمة المكلف بفعلها ما دامت ستملأ جيوبه بالمال . و مما يستشهد به لذلك قول سنان حينما أدخل رأس الحسين بن علي (ع) على عبيد الله بن زياد ، و هو يقول :
املا ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما و أبا * و خيرهم إذ ينسبون نسبا
و هناك من كانت تحركه مشاعر الحقد و الكراهية المستوطنة في مدافن قلوبهم السوداء ، فهرولوا باتجاه ضغائنهم بعد أن أقفلوا مفاتيح عقولهم لإدراك الحقائق و المفاهيم ، فهذا المنادي ينادي و يجيب الإمام الحسين (ع) عن الدافع الحقيقي المحرك لهم لقتاله و هو سيد شباب الجنة ، ( ثم توجه نحو القوم ، و قال : يا ويلكم ! علام تقاتلوني ، على حق تركته، أم على سنة غيرتها ، أم على شريعة بدلتها ؟!
فقالوا : بل نقاتلك بغضا منا لأبيك ! و ما فعل بأشياخنا يوم بدر و حنين ! … ) .
و الشبهات المضلة كانت كذلك حاضرة في اليوم الطف ، و إلا فما معنى الراية التي ترفع مكتوبا عليها ( عجلوا في قتل الحسين حتى نصلي جماعة ) ، إذ يرون في طول قتال سبط رسول الله (ص) عائقا و مؤخرا لهم عن أداء صلاة الجماعة !! ، فأي جهل و عمى في البصيرة وصل إليه البعض حتى يصدق مثل هذا الهراء و التزييف ؟!
هذه مجمل النوازع و الرذائل الفكرية و السلوكية التي حركت جيش عمر بن سعد لقتال أبي الأحرار ، و علينا التأمل فيها لنحدد موقعيتنا و مدى انسجامنا مع الفكر و السلوك الأخلاقي الذي كان عليه الحسين و أصحابه أو الطرف المقابل ، فلئلا ننخدع و نعيش وهما و بعدا عن الحقيقة لابد لنا من التدقيق في مواصفات و أفعال كل طرف منهما و نعكس ذلك فنقارن بين أنفسنا و ما نمتلكه من صفات إيجابية و سلبية ، و من ثم نرى ما نحن عليه من سلوكيات و تصرفات و مخالفات أخلاقية و نوازع نفسية كتأليه الذات و التكبر و حب الدنيا و الأموال و الزعامة و مدى تناسقها و انسجامها مع ما كان عليه جيش الأعداء ، فأصحاب الحسين (ع) هم الصفوة الإيمانية التي امتازت بالإخلاص و القرب من الله تعالى و سمو النفس و طهارتها من الرذائل و النقائص النفسية و الأخلاقية .
و تهذيب النفس و تزكيتها من أهم الأدوار و الوظائف التي يعمل الإنسان جاهدا على تحقيقها ، و هي عملية مستمرة يراقب من خلالها المرء مواقفه و سلوكياته و يحاسب نقسه على ما يصدر منه من أخطاء ليصلحها ، و أما ما يقوم به البعض من حياة الغفلة و الانشغال بأموره الحياتية فلا يشعر بابتعاده عن القيم الدينية ، حتى يتسلل إلى قلبه البغضاء و المشاعر السلبية تجاه الآخرين بسبب مواقف مختلفة ، و كذلك التهاون في تطهير النفس من العيوب يودي به إلى المهالك و يجد نفسه في نهاية المطاف صاحب منافع خاصة لا يختلف فيها كثيرا عمن عادوا الإمام الحسين لا لأجل جهلهم بمقامه ، و لكنهم عبيد الدنيا و المفتونون بزخارفها حتى أخذهم نحو الخطايا و المخالفات الشرعية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open