الرئيسية / مقالات / قبسٌ من ذكرياتِ المشي في الأربعين!

قبسٌ من ذكرياتِ المشي في الأربعين!

هلال الوحيد

في هذه الأيام تبثّ بعض المحطات التلفزيونية صورًا من سير أعدادٍ كبيرة من المحبين مسافاتٍ طويلة – على أقدامهم – من أماكنَ متعددة وبعيدة إلى حيث يرقد الإمام الحسين عليه السلام في مدينةِ كربلاء في العراق. من محاسن هذه القطعة الزمنية أن سهلت التقنياتُ الحديثة التعرف عن قربٍ إلى ثقافاتِ وعادات ومعتقدات الشعوب والمجتمعات المختلفة. حقًّا إنها فترة جميلة، حين يفهم الإنسان غيره ويتعرف على ما كان مخفيًّا وخاصًّا حتى زمنٍ قريب!

هذه المشاهد تشحذ ذاكرتي في استحضار تجربة مشي أكثر من ٨٠ كيلومترًا في مثل هذه الأيام، من شهر صفر، قبل عدة سنوات. تجربة روحية رائعة، لمن يؤمن بها، وزيارة بمناسبة مرور ٤٠ يومًا بعد شهادة الإمام الحسين في العاشرِ من شهر محرم، إذ في العشرين من شهر صفر يكون قد مرّ أربعون يومًا.

خوض التجارب والعيش في غمارها أعظم من وصفها والكتابة عنها، فما يبقى في الذاكرة لا يكفي لاستحضار المشاهد والتجارب الكثيرة التي تأسر العين، وتتمكن من جميع الحواسّ؛ طول المسافة، كرم الضيافة، لقاءات غير متوقعة، مشاهد غير معتادة، كل ذلك تسجله كاميرا العين في لحظته، ويبقى عصيًّا على الوصف.

كان فصل الشتاءِ في قوته وذروته حين قالوا لنا – أنا وزوجتي – التي أردتُ أن أمشي دونها فلم تقبل: إذا وصلتم العمود رقم ١٥٥٠ فإنكم قد وصلتم! بدأنا السير، نقرأ أعدادَ أعمدة إنارة بين الواحد والآخر ٥٠ مترًا. وصلنا الرقم ١٠٠ فأخذت الحياةُ تدبّ في الطريقِ والمشاهد تنشط؛ المشاة من كل الأعمار، وكل خطوة تقربنا من الهدف.

أنماط التطوع والسباق في خدمة المشاة كان مذهلًا؛ الزاد، الماء، الشاي والقهوة، التمريض والمنام. جرتنا روائح بعض أصناف الطعام من أنوفنا إلى تجربتها، إذ الأنف يتذوق قبل العين والفم!

مشينا بين صلاةٍ وراحة قصيرة وأحاديث حتى حانت الساعة العاشرة مساءً فحللنَا ضيوفًا عند مجموعةٍ من أهل القطيف، كانوا كرماء أكثر من الكرم، ولطفاء أرقّ من اللطف. استرحنا ثلاثَ ساعات وشددنا الرحالَ مرَّة أخرى نسابق المشاةَ والوقت، الطريق مليء بلطائف الذكريات التي يطول المقام بذكرها مع برودة الطقس التي هونها رشفاتٌ من الشاي الثقيل والخبز الحارّ.

وصلنا الرقم ١٠٠٠ ثم توالت المئاتُ بعد الألف، وعند وصولنا ١٥٠٠ أو أكثر بقليل، اشتدّ الزحام ولمعت من بعيد قبابٌ من ذهب، لم نعرف أيهما أكثر صفاءً وجمالًا، اصفرار الشمسِ المشرب بالحمرة عند الغروب أم صفرة الذهبِ اللامع!

تهنا قليلًا في تفاصيل الطريق عند اقترابنا، لكن سرعانَ ما جذبتنا بوصلتنا نحو المكان المقصود بعد مشيٍ كان سريعًا مقارنة بالزمن الذي يأخذه الماشي، قطعنا المسافةَ في أقل من ٣٠ ساعة!

تجربةٌ مفعمة وممتلئة بالطيب والنشاط والحيويَّة والسعادة والشوق بقيت ذكرياتها حاضرة لأنها تحصل مرَّة واحدةً في العمر مثل الميلاد والموت! إلا أن يمتدّ عمرنا ويطول!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open