الرئيسية / مقالات / من معالم سيرة الإمام الرضا (ع

من معالم سيرة الإمام الرضا (ع

السيد فاضل آل درويش

سيرة الإمام علي الرضا (ع) تفيض بالعطاء على مستوى الأصعدة المختلفة و تدفعنا نحو الألق و التكامل ، و لذا لا ينبغي علينا تضييع هذه التحفة السنية و الكنز الملي بالمواعظ و الدروس الثمينة – أي السيرة الرضوية – ، فدروب الحياة المتشعبة و الأفكار المتباينة و السلوكيات المتنوعة تمثل تيارات أمواج قد تأخذ بنا بعيدا عن ساحل النجاة و تسلب منا الهدوء النفسي و الإحساس بالأمان ، و أما إذا كنا نمسك بقبس نور نشعله ليضيء لنا الطريق الصحيح و يجنبنا المتاهات المضيعة فإننا نكون قد ظفرنا بالمؤمل و المطلوب ، و سيرة الإمام الرضا (ع) ضياء يشرق في أنفسنا فيحييها حياة الرشد و الكرامة و الطهارة النفسية و التكامل الروحي و الأخلاقي و الاجتماعي .
و الخطوة الأولى في هذه المنهجية المتعلقة بالاقتداء بالإمام الرضا تبدأ من التأمل و التدبر في حياته الشريفة و ما يتعلق بمواقفه التي تربينا على الحياة الفاضلة ، و هذا ما يحتم علينا تقديم تلك السيرة الشريفة بمنهجية تربوية تناسب المستوى العقلي للجميع .
الإمام الرضا (ع) صاحب العطاء العلمي الذي نهل منه عشاق المعرفة من جميع الاتجاهات الدينية و الفكرية ، و هذا ما يشكل عندنا دافعا و عاملا محفزا نحو تنشيط قدراتنا و ملكاتنا العقلية و العمليات الفكرية ، من خلال الاطلاع و قراءة الكتب و عقد الجلسات التثقيفية على مستوى الأسرة و دور العبادة و المجالس ، يتم خلالها تبادل الأفكار و طرح المواضيع المفيدة و الاستماع لوجهات النظر المختلفة ، فالعمليات التفكيرية من بحث و استنتاج و استقراء و استخلاص النتائج مادتها و خامتها هي تلك المواد العلمية المتداولة بين الأفراد ، و تعد هذه العملية التثقيفية منهجا نتأسى فيه – حقيقة – بشخصية الإمام الرضا ، و الذي فاضت علومه في تلك الجلسات العلمية التي يعقدها أو يحضرها ، و لكن – للأسف – نجد البعض لا يولي ذلك أهمية و يعتبره نوعا من ضياع الوقت ، متناسين أن تنمية القدرات العقلية تتم في أجواء عملية يكتسب من خلالها الفرد الثروة اللغوية و أسلوب الحوار و الومضات المعرفية التي تحرك مدركاته التفكيرية ، و تشكل له في المستقبل منهجية فكرية تساعده على رسم أهدافه و آماله و سبل اتخاذ القرارات الحاسمة و المناسبة .
و الإمام الرضا (ع) مدرسة أخلاقية تهذب النفوس و تصنع منا شخصيات تترفع على العيوب و النقائص و تبحث عن عوامل الرفعة و الكرامة و القوة و الإرادة الصلبة ، فالحياة تجابهنا فيها الصعوبات و الضغوط النفسية و الانفعالات و التي تشكل عامل إرهاق و توتر يسلب راحة البال و يشتت العقل عن التفكير المتزن ، و ليس هناك من عامل سعادة كالطمأنينة و الهدوء النفسي ، فكيف يمكننا مواجهة تلك الضغوط دون أن نفقد الحكمة في المنطق و الخلق الرفيع في التعامل ؟
محراب العبادة عامل مهم في هدوء النفس و التخلص من الهموم و المتاعب ، حيث أن النفس تستعيد ألقها و نشاطها بعد مناجاة الله تعالى و الوقوف بين يديه ، فالصلاة تذكرنا بأن ما يمر بنا بمصاعب هو ابتلاء إلهي و لا يسير الكون و ما فيه عبثا بل هو يخضع للتدبير الإلهي ، و هذا ما يجدد عهدنا بالأمل و الثقة بالله تعالى و النهوض مجددا في ميدان العمل ، و تلاوة القرآن الكريم التدبرية تكسبنا الحكمة و المنطقية في حديثنا و تصرفاتنا ، إذ نكتسب النظر في عواقب الأمور قبل الإقدام على أي خطوة أو النطق بأي كلمة ، فالحديث القرآني عن عالم الآخرة يورثنا الفهم و تجنب العبثية و يقشع عن أعيننا الغفلة ، و مما يرتقي بالنفس و العقل إلى أعلى درجات التكامل هو النظر في الجانب العبادي للإمام الرضا (ع) و الذي انقطع لله تعالى ، فالتأسي بالحالة العبادية للإمام (ع) يشكل شخصياتنا وفق الفهم الصحيح و البناء القوي في علاقتنا بالله تعالى و مواجهة مصاعب الحياة من خلال القوة الإيمانية النورانية ، فقد كان الإمام الرضا يوصى أصحابه ، قائلا : كلام الله لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيره فتظلّوا )( عيون أخبار الرضا ج ٢ ص ٢٧ ) .
و التعامل الحسن مع الآخرين المبني على الاحترام و التقدير و عدم التكبر نجده جليا في سيرة الإمام الرضا (ع) ، يروي إبراهيم بن العباس الصولي في وصف تعامل الإمام الرضا (ع) : ما رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام جفا أحداً بكلامه قط ، و ما رأيته قطع على أحد كلامه قط حتى يفرغ منه … ) ، فهذا التعامل الرائع من الإمام الرضا (ع) لو اتبعناه لاكتسبنا المقبولية الاجتماعية و المحبوبية بين أكثر الناس ، فتربية النفس على احترام حقوق الآخرين يشمل استماع حديثه و عدم مقاطعته و تجنب رفع الصوت ، و الإنسانية تجد في السيرة الرضوية ضالتها في بناء العلاقات الاجتماعية المستقرة و البعيدة عن التوترات المؤذية إلى ضعف المجتمع و تجمد مشاريعه التنموية ، فالسلم و الأمان المجتمعي يبنى من خلال العلاقات السليمة القائمة على الأسس التي دعا لها الإمام الرضا و وجدها الناس جلية و متجسدة في تعامله مع الجميع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open