الرئيسية / مقالات / من الذاكرة: مجلس العائلة

من الذاكرة: مجلس العائلة

رضي منصور العسيف  

كنت أتحدث مع أحد الآباء (كبير السن) وقلت له هل تعرفني؟ أنا فلان ابن فلان …
فأجابني بصوت حزين: اسمح لي يا ولدي فأنا لا أرى، إضافة إلى ذلك فقد نسيت بعض الأسماء … لكن اسم والدك ليس غريباً عليّ …
بدأ يتذكر شيئاً فشيئاً … ثم قال مبتسماً: تذكرته … حجي منصور… نعم تذكرته.
ثم بدأنا نذكر بعض الشخصيات من العائلة…
ثم قال: هناك عوائل تتشابه بالأسماء … ولكن لا تربطها قرابة.
قلت له: وهناك عوائل بينها قرابة ولكن بسبب ضعف التواصل ستصبح بعيدة، وربما الأجيال القادمة لن تعرف بعضها البعض!
تنهد وقال: لقد كان عندنا مجلس للعائلة وكنا نجتمع فيه شهرياً، وكان الحضور والتفاعل رائعاً، ثم بدأ يقل ويقل حتى انتهى… خسارة كبيرة … الآن الزيارات أصبحت نادرة …
قال لي: الآن يا ولدي أبناء الأخ لا يعرفون بعضهم البعض!!
أصبحنا نجتمع في المناسبات كالزواج مع إصرار البعض بضرورة استلام دعوة للحضور!!!
أما الفواتح فالحضور من باب تأدية الواجب! وبعد الفاتحة يعود كل واحد لمنزله… هذه صورة من حالتنا اليوم.
وسكت وكان لسكوته دليلا على الحزن والأسمى …
قلت له ونحن كذلك كان لدينا مجلس للعائلة وأعتقد أنه شبيه لمجلسكم
سألني هل هو مستمر إلى اليوم؟
أجبته: لا لقد توقف بعد ثلاث سنوات من العطاء والفاعلية … فعلا لقد خسرناه…
كانت فكرة المجالس العائلية تأسست في عام 1418 هـ وكانت فكرة اجتماعية رائعة طبقتها العديد من عوائل القطيف، وكان لها نتائج إيجابية رائعة.
من فعاليات تلك المجالس:
إنشاء صندوق الأسرة الخيري.
تنسيق زيارات عائلية لبعض شخصيات العائلة ممن انتقل لمنطقة أخرى.
إنشاء شجرة العائلة.
إنشاء نشرة أخبار العائلة.
زيارة المرضى.
جائزة التفوق لطلاب وطالبات العائلة.
إنشاء مجلس حسيني.
تنسيق رحلات ترفيهية.
لجنة إصلاح ذات البين
وغيرها من الفعاليات الجميلة.
لاتزال بعض المجالس مستمرة إلى يومنا هذا وقد تطورت كثيراً.

دعوة للعودة
يقول سماحة الشيخ حسن الصفار: “إن مجالس العائلة من الأطر التي ينبغي السعي باتجاهها، وليس بالضرورة أن يجتمع جميع أفراد العائلة، إذ يكفي تكوين لجنة تجتمع دورياً وهي تتفقد شؤون العائلة، ويُمكن عن طريق هذه اللجنة تجميع العائلة في فتراتٍ محددة”.
وتكمن أهمية إعادة هذه الدعوة هي أننا في زمن شغلتنا وسائل (التقاطع) الاجتماعي وأصبحنا نبرر لأنفسنا أننا نتواصل مع بعضنا البعض من خلال هذه البرامج!!
بينما نحن غرباء عن بعضنا البعض!!
نحن في زمن نعيش فيه العزلة العائلية (داخل البيت الواحد) فالأخ لا يعرف عن أخبار أخيه شيئاً!!
وقد يصاب أحد أفراد العائلة بمرض ما دون أن يعرف عنه أحد!!
البعض يبرر عدم تواصله مع بقية أفراد العائلة بسبب خلاف بينه وبين أحدهم، أو لأنه ينتظر المبادرة في التواصل من الطرف الآخر!! ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تقطع رحمك وإن قطعتك (1).
وأخيراً، تأمل أخي القارئ في هذه الكلمة الرائعة للإمام علي (عليه السلام) ومنها انطلق في رحاب إعادة العلاقات الاجتماعية وصلة أرحام:
“أيها الناس، إنه لا يستغني الرجل – وإن كان ذا مال – عن عترته (عشيرته)، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطة من ورائه وألمهم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يرثه غيره.
ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته، فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة، وتقبض منهم عنه أيد كثيرة، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة (المحبة) (2).

الهوامش:
1 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١٠٥٦
2 ) ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١٠٥٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open