الرئيسية / مقالات / جنَّة من غير أحباب ما تنداس!

جنَّة من غير أحباب ما تنداس!

هلال الوحيد

أعطيناكَ أيها القارئ العزيز جنَّةً فيها ما تشتهي من أنهارٍ وحدائق وأزهار ونباتات، شرط أن تعيشَ فيها منفردًا، هل تغريك هذه الحياة؟ أم تبادلها بحياةٍ عادية، تأنس فيها بمن حولك؟ أظنّ أن أغلبنا يرفض هذا العرض مع ما فيه من الإغراء والجاذبية!

تقولون: كبّرتها كثيرًا! الدنيا فيها ذئاب! فيها أسود مفترسة! نعم، فيها ذلك وأكثر حتى أن الذئاب والأسود تخاف الإنسان وإبليس صار تلميذًا صغيرًا في مدارسِ أبناء آدم، لكن هذا واقع الحياة وساعة واحدة من صحبة الطيبين تساوي عمرًا!

الصحبة والأنس لا تُعطى إنما تكتسب اكتسابًا: أوصى الإمام علي (عليه السلام) ابنه فقال “يا بني!… أحسن إلى جميعِ النّاس كما تحب أن يحسن إليك، وارضَ لهم ما ترضاه لنفسك، واستَقبح من نفسكَ ما تستقبحهُ من غيرك، وحسن مع جميع الناس خلقك، حتى إذا غبتَ عنهم حنوا إليك، وإذا متّ بكوا عليك. وقالوا: إنا للهِ وإنا إليه راجعون، ولا تكن من الذين يقال عند موته: الحمد لله رب العالمين”.

إذا شئتم أن تقسموا الدنيا إلى قسمين، إما خيرًا أو شرًّا، فإنّ الصحبة الجميلة الصادقة من قسم الخير. في الدنيا أصحاب لا يجرون وراء المنافع والمكاسب. إذا حملت الريحُ ذكراهم حملت معها رائحةً عطرة طيّبة. حيَّا الله كل من صحبناهم في رحلة الحياة. ألف تحية لهم، كان الوفاء لهم عنوانًا والمحبة ذاتًا.

في الجنة من الأطعمة والأشربة واللذات ما لا يمكن تصوره، ولا يكتمل الأنس واللذة إلا بصحبة الناس الطيبين {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ}. طوبى لمن كان صاحبه في الجنة النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله): “من عالَ ثلاثةً من الأيتام كان كمن قام ليله، وصام نهاره، وغدا وراح شاهرًا سيفه في سبيل الله، وكنتُ أنا وهو في الجنّة أخوين كما أن هاتين أختان – وألصق إصبعيهِ السبّابة والوسطى”.

خلاصة الفكرة: ما بين الولادة والممات، نرى في الدنيا أناسًا ذئابًا، يُذهبون الأنس ونتمنى أن يبتعدوا عنّا أميالًا:
عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذا عَوى ** وَصَوَّتَ إِنسانٌ فَكِدتُ أَطيرُ
يَرى اللَهُ إِنّي لِلأَنيسِ لَكارِهٌ ** وَتُبغِضُهُم لي مُقلَةٌ وَضَميرُ

وفي الدنيا أحباب مثل نسائم فصلِ الربيع، بهم تصبح الدنيا مريحة وسعيدة ودونهم الجنة موحشة! قال عنهم الإمام الصادق (عليه السلام): “لقد عظمت منزلةُ الصديق، حتى أهل النّار ليستغيثونَ به ويدعون به في النّار قبل القريبِ الحميم، قال الله مخبرًا عنهم: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open