الرئيسية / مقالات / العاشق لا يكتفي ..ماحال رقية ؟

العاشق لا يكتفي ..ماحال رقية ؟

ماجدة الحمدان

لا زالت روحي هائمة هناك في ذلك الزخم البشري المهوال
لازلت قابعة بكياني ،بكلي ،بذاتي لازلت مشتتة الهوى بين الجدران الحمراء وقطع المرايا وقدماي ملتذة ببرودة المرمر؛لا زلت في الزمر المحشوة بشراً ملبياً لبيك ياحسين.. صفوفاً ملئت بالخافقين ..عيوناً مترقبة متى يأتي علينا الدور ..أرجل تدفعها أرجل ..نحن لا نمشي بل نُدفع ..نساق الى الرحمة ..الى الوجود الحسيني ..الى روضة الجنان ..الى السيد ابن السادة ..الى حضرة الحسين ..دخولنا تشتق له الانفس اشتقاق اللذة واللهفة ..يندى لها الجبين في خوف ورجاء بين قبول السلام و فهم الرد ..يالله رَدِّ السلام من لدن بشر كريم رحيم ..دفع كل مهجته لله وفي الله ..هي ساعات زحف بشري ولكنها ثانية تطبع فيه قبلة العاشق الواله على شباك ضريحه الذهبي ..
رحلة لذيذة اعني فيها مسار الدخول على حضرة الحسين وقبلة عابرة ..
ماذا قبل ذلك كيف كان المسير وكيف كان الوداع ..
اياماً وايام تتحضر الروح اليه تجهيزات روحية ،بدنية ، سلوكية اياماً صعبة منذ هل هلال الحزن والروح في تأهب شديد وترقب أشد ماذاا اقدم لك سيدي ؟كيف السبيل لأكون معك ..لا لأجل مثوبة ..شحذت سواعدي لأخدم وندبت خاطري لأعزي وبذلت لكن ماإن وصلت لليلة الحادي عشر احسست بالفشل وبالتقصير حتى جمدت عيناي بدموعها ..اخذت في ذلك الخاطر ليلتين فارغتين ..لعلي قصرت في الوصال سيدي ..لعل مواساتي كانت باهتة ..او خدمتي قاصرة ..بلغ الاستياء حد الصمت ..حزمت امتعتي لاعود لدياري من حيث مداري ..ثم اخذت مجدداً افكر في السفر إليك ..أياماً معدودات ..خالجني الخوف توسلت ربي توفيقاً بالحسين ،بالزهراء،بعلي ،بالحجة ..واتممت في خاطري اربعة عشر معصوماً ..ولم اكتفِ ..سيدتي يا أم البنين انت تعرفين الوسيلة جيداً ..رغم البنون الأربعة إلا أن الحسين طغى في قلبك بعرش رحمته فاستجل قدرك ..
يا أم البنين مالي أطرق بابك فتخرج إليّ نرجس !
ياباب الحوائج يا أم بقية الله لعل المسار الأخير عندك ؟ رفيقة الصعاب يانرجس ..صاحبة السرداب نرجس يا أم الثأر يا أميرة الروم وأم الفرج لعلي أجد بين يديك تذكرة السفر ؟
فتجيبني : أولسنا على الحق ؟؟
كم احتضرت روحي ..خمس ليالٍ عشت في كنف الهم معولة ..تشتت الأهواء واغتم قلبي لربما سُدّ عني باب السفر …
أيها الأكبر لازلت عالقة بكلي في حضرتك ..لازلت اترجم حوار والديك ؛الحسين وليلى ..حوار دامي متقطع الحسرة جاف الشفتين حارق للمقلتين ..إلهي حوار فيه سكرات الموت تطحن كحبات القمح في الرحى ..حوارهما قمر يُخسف وشمس تُكسف ..حديثهما عنك متحشرج ..مكلوم الكلمات ..مالح العبرات ..مختنق ..إلهي حتى يعقوب فقد البصر فيه بعد أن رد إليه ..
أولسنا على الحق ..إذن لا نبالي وقع علينا الموت أم وقعنا عليه …
اختصار الملحمة واعلان النصر قبل الوقوع ..حقيقة المعركة ونتائجها قالها علي بن الحسين عليه السلام وقد صدق شبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ..
علامة القبول للسفر كان احتضار روحي في علي !
ياعلي كنت سألتك عن رقية ..كونك أخوها الأكبر و رقية مدللتك ..
مابك ياعلي تخضر الدنيا بوجودك ..وعند فراقك يزرع الموت ..ماتت رقية ،حين تركتها ياعلي مشتاقة لأبيها !!

رسائلك ياعلي لم تنتهي ! أي عظمة تحمل ياعلي تسوقني لأبيك سوق المؤمنين وتأتي برقية ممسكة بيدي من شرق البلاد الى غربها عند قبرك وقبر أبيك ..لا يحتمل القلب ياعلي ..
لعل القاريء يحتاج الى هدنة ..
في اليوم التاسع عشر من شهر صفر الخير وضمن خواطري مع علي ..أرسل البطل الضرغام برسائله ليريني من آياته عجباً ..وهو ابن الأعجب ذو الكهف وآياته ..
التحقنا بالزخم البشري بصف العاشقين الوالهين لطبع قبلة على ضريح مولاي الحسين الشهيد ضمن تحرك بطيء بحكم الازدحام الشديد الذي يعتصر بلامبالاة في بعضه البعض لكنه صامت عن كل أذى يحيط به في سبيل أن يصل بقبلته على ضريح المعشوق ..رحلة اعصارية بطيئة يتخللها الترقب والصلوات والتعجيل بالفرج والندبة ..فجأة تهتز طفلة ذات خمس سنوات وراء ظهري للطرف الأيمن وقد تقدمت أمام أمها ..حقيقةً؛ لم تشبه الطفلة أمها وكانتا تتحدثان الفارسية لكن ملامحهما لم تكن متقاربة البتة ..حاولت في الزحام أن أطلب من الأم رفع ابنتها حتى لا تصاب بالدهس فالصف اشبه بالاعصار الصامت ..حاولت الأم قدر الامكان رفع ابنتها الملائكية لكن الطفلة أصرت أن أمسك بكلتا يديها وهي ترتجف كالسمكة !رجف قلبي بشدة لم تكن خائفة بل مشتاقة حد الرهبة ..أصابتني في قلبي ..تمتمت أمها بالفارسية لصديقتي بخلف ظهري أنها عاشقة للحسين وهي ترتجف لأننا نقترب من المعشوق ..حالة الذهول تملكتني وكأنها ترسل لي رسالتها أنا رقية عاشقة الحسين !كلما اقتربنا زاد تمسكها بيدي لم أكن في الصف كما ينبغي فكلتا يداي ممسكة بيداها من طرفي الأيمن لذا كنت مائلة المسار حتى لا أفقد الارتباط بها لم تكن تقبل أن أتركها وكلما اقتربنا اخذت ترجف بشدة وانا اخاطبها بالفارسية سنصل قريباً لا تخافي اننا معك ِ ..يداها كالثلج ،اعتصرت رهبة وقد تأطرت عيناها الخضراوتين بالدموع والاحمرار الى أن وصلنا مسحت بيدي على صدرها أن تسمح لي بالتقدم امامها حتى اعطيها المجال لطبع قبلة العشق والسلام الملكي لصاحب الرحمة .. ليس عندي مجال للوقوف فحركة التنظيم تستوجب علي الخروج سريعاً ..اعطي مجال للزائرات رغم الشوق إلا أن ضمير احترام الزيارة متحرك فنخطف بأرجلنا سريعاً من أجل الزيارة رغم حسرة البقاء ..خرجت سريعاً اتلتفت يميناً يساراً ..أنتظر خروج (رقية العاشقة ) ..دقائق وهاهي تخرج احتضنتها وقبلتها كلمتها هل قبلتي الضريح ..تجيبني باكية بحرقة لم تشبع تريد البقاء عند الضريح لا زالت مشتاقة وهي ترتجف ..لم يكن بكاءا عادياً ..لم تكن طفلة عادية ..أمها لم تكن عادية ..
ياترى هل هي رقية ؟ ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open